أعمدة الرأي

“دينامية الصراع السياسي وتداعياته علي الإقتصاد السوداني خلال الفترة الإنتقالية”

الكاتب والباحث الإقتصادي -عثمان آدم شريف

“دينامية الصراع

منذ إندلاع الحٍراك التظاهوري “ثورة ديسمبر” المطلبية التي دعت الى إصلاح البنية الإقتصادية في البلاد وما تلاه من تغيير في الحكم ، ما دفع مجموعة من الأحزاب بتكوين جسم سياسي بمسمي “إعلان قوي الحرية والتغيير” كجسم سياسي تصدر المشهد الساسي بعد ثورة ديسمبر ، حيث أرتضت هذه القوة المدنية بأن تكون شريكة للقوة العسكرية بموجب إتفاق شراكة سٌمي ب”الوثيقة الدستورية “حددت فيها تقاسم السلطة والثروة بين أطراف التوقيع، وبعد مٌضي عام من توقيع الإتفاق السياسي وتشكيل الحكومة فما أن لبثت في إنفاذ برامجها وإنزالها علي الحياة العامة رويداً رويداً، تلتها حالة من اللا إستقرار السياسي وإختلالاً في الممارسة السياسية ظهر جلياً في ممارسات الحاضنة السياسية الجديدة ما جعل الملعب السياسي تكتنفه نوعاً من الغباشية والغموض، برزت إشكالات الواقع السياسي وتمظهراتة السالبة التي تشهدها الفترة الإنتقالية في السودان نتاج لضعف الحاضنة السياسية ومحاولتها السيطرة علي مقاليد الحكم بالبلاد دون إمتلاكها لمشروع “سياسي جاد” يرتكز علي أٌسس ومعايير مما يحظًي بتأييد النادي السياسي السوداني ككل او علي أقل تقدير ممكن على أن تحصل علي إجماع دوائر مؤثرة من أهل السودان ، بل تحاول (إعلان قوي الحرية والتغيير) خلق مناخ سياسي جديد غير مرن ومعتم للممارسة السياسية دون مراعاة ماهية أدوات وتوازنات وتعقيدات المشهد السياسي وتفاعلاتة ، مع مراعاة أوزان ونسب الأجسام والتيارات السياسية في السودان ،ومحاولةً خلق أزمات متوهمة ومٌضلَله مبتغيةً صناعة كسب سياسي “لها” في ظل فترة إنتقالية يٌنظر اليها فترة تسيير مهام و وضع إنتقال ، مما أنتجت حالة من الإصطراع السياسي المستمر شكل مٌعضلةً للبنية السياسية وتفاعلات جميع الأطراف مع هذه العلمية ما أسفرت إتجاهات الأحداث الى ديناميات للصراع السياسي المحتدم مع غياب رؤية إدارة الدولة وتعقيداتها دون وضع مسار مرن للتوافق والتراضي بين المكونات السياسية و”الإجتماعية،الاقتصادية،السياسية “.

إن دينامييات الصراع السياسي تٌظهًر مشهداً مختلفاً وأكثر تعقيداً في الحالة السودانية خلال الفترة الإنتقالية مما يشير إلى أن ديمومة وإستمرارية “الصراع” بعيدةً عن الإنتهاء وأن مكتسبات هذه الإستمرارية مستمرة في ظل وضع إنتقالي مٌعقد وهش ألم بمؤسسات الحكم الإنتقالي و تعاطي هذه المؤسسات مع “القضايا الوطنية” أكثر هشاشة مما تبدو عليه، وفي المقابل سيساهم هذا التعاطي في زيادة التعصب المحلي للمكونات المحلية المختلفة بالتالي سيقود الي تفكك البنية الجغرافية كنتاج لعدم مقدرتها علي إدارة التنوع بشكلياتة المختلفة ، ومن المرجح أن تؤدي دينامية”الفعل ردة الفعل” التي غالباً ما تؤدي لتقلبات متأرجحة ومتذبذبةً في موازين القوة خلال الفترة الإنتقالية بدوره يقود الى تحديد مسار العملية السياسية مستقبلاً سواء كان سلباً أم ايجاباً.

يحاول أطراف الحكم الإنتقالي في السودان أن يضعو معادلة “تسوية سياسية”أو يمكن ان أسميها”الإحتفاظ بتوازن أطراف الحكم الإنتقالي” ،تستند على المشاركة فى السلطة سواء كانت مشاركة نتجت بإتفاق أطراف أم تحت ضغط ماثل، ما لايمكنها من وضع حلول مستدامة ولأنها لا تخاطب البعد الإجتماعي والإقتصادي كذلك، فاذا ما إستقر الصراع من جهة وأستمرت أطراف تغذية الصراع من جهة أخري بذات النسق ستطيل ديمومة الصراع وتكون بذلك “أطراف الحكم الإنتقالي” ساهمت في ترسيخها وتعميقها. وسيؤدي البٌعد عن العقلنة وغياب الرؤية الوطنية في إستمرارية الصراع السياسي الى تشوه كبير في شكليات وطرائق الممارسة السياسية السائدة، فالتغيرات والتحولات المتلاحقة في البنية “السياسية والإجتماعية، الإقتصادية ، الثقافية”أفرزت سيولة كبيرة كان من نتاجها إنهيار العقل واستشراء همجية الممارسة السياسية خلال الفترة الإنتقالية وهو ما أسماه المفكر إرنست كاسيرر ب”الهمجيات الحديثة” ويرى إرنست ان من نتائج الأزمات الإجتماعية أنها تحدث هزات عميقة في التصورات العقلانية للواقع وتشجع اللجوء الى “الأحكام المسبقة والدين والأسطورة” فا المشهد السياسي الآن الذي يغلب عليه الصراعات الشخصية على المصلحة العامة ويحتل فيه الإقصاء والتمترس “الزعازع” محل الشراكة المثمرة دون إبعاد طرف عن طرف أخر يمثل أحد أطراف المعادلة السياسية ودون ذلك ستصبح المعادلة “مٌخلة” ، مع وضع حسبان لنوعية تدخلات القوى الخارجية ومساهمتها في رسَمنة معالم الصراعات الداخلية وإرتباطات الوضع الداخلي بأطراف خارجية فاعلة ساعدت في أزمنة وإختلال البنية السياسية بدوره زاد حدة الإستقطاب الداخلي وتأجيج الصراع الذي تشهده الفترة الإنتقالية ومن غير الواضح بعد كيف ستنعكس هذه المتغيرات علي مستقبل الإنتقال الديمقراطي في ظل نشوء تمظهرات جديدة علي البنية الإجتماعية والإقتصادية والثقافية. فا تماثل تمظهرات وتشكلات الحالة الراهنة مقولة لمنصور خالد في كتابه “النخبة السودانية وإدمان الفشل” الذي عبر قائلاً” لن نظلم القوي الحديثة شيئاً إن قلنا أن تعسفها عن الطريق من بدايته هو الذي أنتهي الي ضياعاً لم يبقا لها معه غير تبادل الملامة” فالفاعلين في المسرح السياسي الان اذ جاز ان نسميهم “كنخب” أنهم لا توجد كنخبة صلبة وإنما كنخب متعددة ومعقدة يجمع بينها صراع المتناقضات وإحتدام المواقف بسبب تعدد الروئ والمشروعات.

إن بروز تداعيات الصراع السياسي بتدهور أداء مؤسسات الدولة الخدمية علاوةً علي ذلك عدم تمكنها من توفير الإحتياجات الضرورية والأساسية ، بالإضافة الي سوء إستخدام الموارد وإدارتها بما يوفر علي أقل تقدير الاحتياج الاساسي ، حيث توقع صندوق النقد الدولي ان يشهد الناتج المحلي الإجمالي في السودان إنخفاضاً بنسبة (72%) في العام 2020م وأن تكون نسبة العجز التجاري الي (15.2%) من قيمة الناتج المحلي الإجمالي وأن يرتفع التضخم الي (81%) الإ ان إخفاق مؤسسات الحكم الإنتقالي في التعاطي مع الملف الإقتصادي بصورة جيدة هو ما أعطى مؤشر بحجم ضرر أكبر مما هو متوقع فاق توقعات صندوق النقد الدولي من خلال مقارنة إرتفاع نسبة التضخم الى (229.85%) في إكتوبر من العام 2020م، وعدم إدارتها للقطاعات الإنتاجية بصورة تلائم المطلوبات الإقتصادية التي يحتاج اليها الإقتصاد السوداني ، وبلغ التدهور الإقتصادي ذروته بإنهيار قيمة الجنيه السوداني إذ إنخفض سعره عشرات المرات مقابل الدولار الواحد في السوق الموازي أو ما يعرف ” بالسوق الاسود”اذ إنخفضت قيمة الجنيه مما أصبح (250) جنيه مقابل واحد دولار ، مقرونةً بأزمة حادة في المشتقات البترولية والنقد الأجنبي والخبز والدواء، إذ يعد الملف الإقتصادي التحدي الأول الذي يواجه مؤسسات الحكم الإنتقالي ، وأشارت إليه الوثيقة الدستورية بنصها ” معالجة الأزمة الإقتصادية ، بإيقاف التدهور الإقتصادي ، والعمل علي إرساء أسس التنمية المستدامة ، وذلك بتطبيق برنامج إقتصادي وإجتماعي ومالي وإنساني عاجل لمواجهة التحديات الراهن”.

كان ما يجب أن توظف هذه السياقات للبناء وإنفادها بما يتيح لها مؤشر رضا عام في الحياة العامة الإ انه أدواتها كان توظف للصراع الداخلي “وتأجيج شكوك الريبة بين المكونات السياسية” فلم تستطع تقديم تصور واضح بذات نسق الوثيقة التي غلب عليها الطابع “العناويني” للقضايا المختلفة وذلك لقصورها في تعاطيها مع القضايا الوطنية ، فالحاجة الملحة خلال الفترة الإنتقالية الي رؤية إستراتيجية وطنية ، تتفق عليها القوة الإجتماعية والكيانات السياسية الفاعلة في المجتمع السوداني وتٌشرك في وضع حلول علمية جادة تعالج حالة التشظي والتفكك وتخاطب الجميع بأنهم شركاء في مسؤولية الإنتقال الديمقراطي الآمن والثلث ، إذ حال دون ذلك فسيحل خطر الإنشقاقات والإنقسامات السياسية وتفكك البنية الإجتماعية وبالتالي سيكون هنالك شرخ “بنيوي” كلي يكن الأول في نوعه منذ الإستقلال ، أو بالأحرى توجيه مسار الحكم الإنتقالي توجيهاً موضوعياً صوب القضايا الأساسية والمحورية التي تسهم في معالجة الإختلالات الهيكيلة و تمضي في تهيئة المناخ السياسي والإجتماعي والإقتصادي والإحتكام الى العقل بمنأي عن التماهي في تأجيج الصراع ما يقود الي إستقراراً في البنية الإقتصادية يكن لها منعكسات علي الحياة السياسية مما تعزز فرص إنفاذ برنامج إصلاح إقتصادي بغيةً إحداث نمو هيكلي متزايد يعالج جميع التمظهرات والإختلالات المٌقعدة بالإقتصاد السوداني مع وجود إرادة في إنفاذ ما يتم التوافق عليه سينعكس في إصلاح البنية الإجتماعية وبالتالي ستنتج عنه تحولاتً إيجابية في الممارسة السياسية بعكس مما نشهده اليوم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى