أعمدة الرأي

منمنمات : يحيي فضل الله : القاص احمد المصطفي الحاج – طقس العفوية

يحيي فضل الله

 

مثلما كانت للكاتب الإيرلندي ( جيمس جويس ) مدينة دبلن ، مثلما كانت قرية ودحامد للطيب صالح ، مثلما تنقل نجيب محفوظ في حواري القاهرة وأزقتها ، مثلما كانت قرية ودعة بدارفور لابراهيم اسحاق ، مثلما كان الجنوب المصري مكانا يروي عنه يحيي الطاهر عبد الله ، مثلما كان المكان متحولا ثابتا في الذكريات ، مثل كل شئ و اخر يدل علي حميمية المكان، يكون المكان القصصي هو امدرمان للقاص احمدالمصطفي الحاج ، امدرمان نجدها في قصته ( الكترابة ) تبحث عن نفسها و تتداعي و تتبعثر اشياءها ( تذكرت أشياءها العادية الكنزية الحميمة ، حجلها في ميدان الاسكله ، نعلاها في جامع الخليفة بالقرب من القبة ، بقجتها و حقيبة اطفالها الميامين في المحطة الوسطي عند كنبة خشبية كانت لترماج رحطها في زريبة العيش بالقرب من سوق العناقريب)
امدرمان بنبضها الحميم بكل ما زيف فيها و بدل ( جرجرت رجليها حذاء درب العمايا ، يممت شطر المحطة الوسطي و حين ادركتها ازيلت الإستراحة ، إرتحل ( نمرة واحد) او لعله إغترب ان لم يكن زيف و بدل ) ، امدرمان التي داست احذية رجال الدرك كتب اطفالها ( وهم يطاردون باعة الماء و الكتب و المساويك وبائعات الفول المدمس و ستات الطواقي ) امدرمان حين تحولت ملامحها بفعل المعاول و ادوات الحفر ، (بلدوزرات و شاحنات مشحونة بالطوب و الرمل و الاسمنت و الخرسانة ، أخذوا ابو البتول بر بعيدا و معه- ذات الدر -) ، امدرمان بشخصياتها العادية المتحولة مع إيقاع التحول الاجتماعي ( ود الباشا ذهب يبحث عن الاطفال في غياهب الكوش و الخرائب و هياكل العمارات الجديدة و عند نقطة البوليس – التمنه – إفتتح جادو سوبر ماركت و محمد البرعي المصري تكامل فتقهقر عن عمق المدينة ، اما رينيويتي انطوان فقد فرغ بحسبانه لاجئ او اقليمي ) ، امدرمان تأتيك بتكوينها الاول و بتاريخها الممتد في كل شبر ارض فيها ( وعند دومة ودنوباوي غير الظليلة كان المهدي في سجدته من صلاة المغرب يؤم اولاد اللدر ، البنا ، ارو ، روف ،الشفيع ، مكي ود عروسة ، عبد الله خليل ، الكاشف ، صاحب الزريبة وبعض شيوخ العرب و العباسية و الهاشماب ونواتي المراكب بالموردة ) ، هكذا تكون امدرمان مكانا قصصيا تضج فيه الحياة بكل تناقضاتها، بمعالمها التي يستخدمها القاص مشبها بها شخصياته ، فها هو يصف احد شخوصه ( نظر الصائغ الفأر، رخ الشطرنج ، مسلة الاربعين ) و في قصته ( الهارمونيكا )
يصف شخصية اخري ( مرت حليمة ، جزيرة البهار ، سلخانة امدرمان يسبقها عطرها الشفيف الصاخب ) ، امدرمان تتسرب في رؤيا القاص وتفرض وجودها علي عوالم عدد من قصصه ، ففي قصة ( الكتكوتة ) يركض بطل القصة هربا من الحصار بكل معانيه ( شعرت بنوع من الارتياح و بعد ذلك واصلت الركض و تناهي الي سمعي حوافر الحصان و صيحات راعي البقر الوحشية ، ركضت تجاه بوابة عبدالقيوم ، يا عبدال….. ) و هاهو عبد القيوم يرد ذكره في قصته ( الكترابة ) – ( جرجرت رجليها حذاء النيل عندبوابة عبدالقيوم و لم يكن عبد القيوم موجودا حأنئذ …. )
، انها امدرمان البقعة المضيئة في رؤيا هذا القاص .
* احمد المصطفي الحاج ، حتما هنالك تاثيرات عليك من عوالم الكتاب و الادباء ، لكني ابحث عن تاثيرات اخري مختلفة فهل هنال تاثيرات من هذا النوع عليك ككاتب ؟
(( نعم هنالك التأثير الاول و الذي كان له الاثر ابلغه ، هذا التأثير كان جدتي ( ستنا بت عجيل ) – رحمها الله – ، هل تصدق ان ( بت عجيل ) جدتي هذي كانت تخاطب الموت و الغيث و الطير ، إنها تشخص هذه العناصر و تجري معها حوارا كنت إندهش له كثيرا ، انظرها و هي جالسة لا تتدثر بشئ إلا بقرباب من صنع يدها ، كانت تمارس نسج وغزل القطن بطريقة بدائية يدوية ، تستظل تحت شجرة الهجليج التي اصبحت ماؤاها علي مدار السنة و فوق الغصون تناجي القماري بعضها البعض و هي تقول :-(( قوقو قوقو قوقوقو قوقو قو))
فترد (بت عجيل) :- ((حمدنا فضلو ما جحدنا ))
فترد القمرية :- (( قو قو قوقو قو ))
بت عجيل :- ((نحمدو الوف الوف لي يوم الوقوف))
القمرية :- ((قوقو قوقو قو ))
بت عجيل :- (( حمدتي إنتي يا العجميه ما بنحمدو نحنا )) وكأن ( بت عجيل ) قد اصيبت بالغيرة و هنا تمسك ( بت عجيل ) المترار و تحسر قربابها عن ساقيها النحيلتين و تبدأ في العزف البانتومايمي و هي تعتقد ان ( قوقو قو قو ) هي ( احمدو ربكم ) بلغة القماري فتنشد بصوتها الاثيري ((شيلن لي شيلن لي ربنا حمدتو القمريه شيلن لي شيلن لي ربنا حمدتو العجمية ))
فمن ( بت عجيل ) تعلمت إستنطاق الاشياء ، فكانت رحمها الله – اول و اخر المؤثرين علي ))
يلجأ القاص احمد المصطفي الحاج الي فنتازيا الصورة القصصية معتمدا علي التفجير اللغوي و التفجير الحركي للحدث، إذن لابد هنا من خيال ، خيال يمتد مكونا هذه الفنتازيا ساحبا علي النص القصصي جو من المتعة و السلاسة ، الخيال لدعم الفكرة الاساسية للنص القصصي ويقترب بها و يتقرب الي القارئ و تجذبه لمتابعة عالم القاص المتفجر الصاخب الشفاف الضاج بالتفاصيل ، ففي قصته ( العام الدولي للسويين ) نتلمس هذه الفنتازيا ( و ضحكت و جلجلت ضحكتي ، إهتزت كل طبالي الملجة ، تساقطت كل انواع الخضر و الفاكهة ، إختلطت ، سقطت المرأة الانيمية الجسد علي الارض ) ،
هكذا تفعل هذه الضحكة فعلها في الموجودات علي سوق (الملجة) ، هاهي الصقور تتحول في قصته ( سكين الفراغ ) الي مخلوقات مرعبة وقاتلة( و سرعان ما هجمت الصقور علي الطفلة التي كانت تركض في باحة الدار ثأكلة صارخة و مولولة و الصقور تطاردها و تقضم وتنهش من جسدها الذي كان ينز دما حتي سقطت علي الارض و الصقور ما تنئ تنقض و تنهش )، في قصته ( الكتكوتة ) يطارد حصان اللافتة الدعائية لنوع من السجائر – مارلبورو – المثبتة بالقرب من دار الرياضة امدرمان ، يطارد حصان اللافتة الراوي في القصة (اللافتة الدعائية الكبيرة المثبتة بالقرب من دار الرياضة – بيت المال سابقا- وقفت مندهشا لصورة الحصان ، إرتبت فيه فتحسسته يداي باللمس عند عرفه ، صهل الحصان صهيلا مفزعا ، إنتفضت رعبا ، ضحك راعي البقر ضحكة هستيرية مفزعة ، مد لي علبة اللفائف بعنف ، تراجعت للوراء و أطلقت ساقي للريح ) ، لا يخفي علينا دلالة ان يحاصر الاعلان تالراوي و تحرك راعي البقر و
حصانه و نري ايضا في هذه القصة كيف تفعل البقرة – البقرة الضحوكة – التي تظهر في اعلان تلفزيوني ( ولجت مرعوبا دار الرياضة و عند دائرة السنتر كانت البقرة ، لم تكن ضاحكة، بل كانت مكشرة عن اسنانها ،إنتصب قرناها الحادان في مواجهة صدري ، ركضت تجاهي فركضت في الاتجاه الغربي )، يبدو ان عالم القاص احمد المصطفي الحاج لا يخلو من تجريد ، التجريد في الموقف القصصي المركب ، لنتمعن في هذا الوصف للشخصية في قصته ( وسقط يا سادتي الجنين )
( وبطل قصتنا يا سادتي المبجلين طفل في بدء التكوين لاعين له و لاحاجب ، لا أنف و لا ثغر ، فقط اللحية و الشارب ، يستلقي علي فراش من الدم والمخاط ويشخر شخيرا مفزعا ) ، هكذا يكون هذا الطفل كائنا مجردا و لامعقوليا من خلال دلالات الوصف التي تلعب علي قلب الصورة – اللحية و الشارب في طفل – و ميزة إستخدام الصورة المقلوبة ميزة تدعم فنتازيا عالم هذا القاص المتميز بل تجعل منه عالما معقدا و شائكا تبحث فيه الشخوص القصصية عن وجودها المحاصر من خلال تداعيها الممتد كرد فعل تجاه كل ما يفرض الحصار عليها ، إذن يمكن القول ان النص القصصي لدي القاص احمد المصطفي الحاج يعبر عن الاستلاب و القمع الذي يحاصر الانسان من خلال التحولات العميقة داخل مجتمعه ، فاغلب شخوص قصصه تعلن عن وجودها داخل حصار هذا
الاستلاب و القمع بكل تجلياته ، ففي قصة ( سكين الفراغ ) بينما كانت الطفلة تبحث لها عن طعام تصبح هي نفسها طعاما لصقور لاتنئ تنقض و تنهش في جسدها ، يحاصر جهاز التلفزيون الذي اهداه احد المغتربين للراوي في قصة ( الكتكوتة ) يحاصر الراوي الي درجة الهذيان التام ، في قصة(العام الدولي للسويين ) يظهر البطل مستلبا الي درجة ان الطعام اعلن عنه الاضراب ، في قصة ( الكترابة ) تتحاصر بطلة القصة التي هي امدرمان حتي تصرخ مستغيثة باحثة عن الدخري ، في قصة( كلاب السيجة ) يصفع البطل دون ذنب و بدون مبرر و تتوالي عليه الصفعات والصدمات فيولي هاربا من مقهي الي شارع لا يعرف كيف يعبره
احمد المصطفي الحاج ، كيف تنظر الي ماهو منجز في القصة السودانية ؟
(( هناك قصاصون عظماء و بالتالي هناك قصصا عظيمة و لا اكون مبالغا اذا قلت إنها في جمصاف القصص العالمية ، مشكلتنا اننا نفتقر الي دور النشر و حتي المساحات المخصصة في الصحف تجدها مقصرة و لا تفي بالقدر الكمي للقصص مع اختفاء المجلة المتخصصة في فن القصة ودراساتها ورغم محليتها انا متأكد ان كتابة وكتاب القصة في السودان اذا ما وجدت الفرص التي يجدها كتاب القصص الاخري خاصة العربية سترجح كفة القصة السودانية ولكن كيف يحدث هذا؟ و نحن نفتقرالي ابسط ادوات النشر و الرواج ))
هكذا يكون عالم احمدالمصطفي الحاج القصصي عالم ملئ بتناقضات التحولات الاقتصادية و الاجتماعية و ما ينتج عنها من تحولات نفسية تذهب بشخوص قصصه الي درجة عالية من التداعي و الهذيان و اسمحوا لي ان اودع هذا العالم القصصي بهذة القصة القصيرة لهذا القاص المتميز
(( ركلة حرة
————————————
الحر يغيظ ، الشمس تكاد تصهر الاجساد المنهكة المتخبطة ، وسط الموج البشري المضطرب و الملتهم كل ارجاء ميدان الامم المتحدة و الشوارع المؤدية منه اليه ، في منتصفه تمام توقف تاكسي جماعي إنقصت عليه الاجساد التي إمتلآت بغتة بالمنعة و العافية ، درت حول التاكسي و من نافذة سائقه ناولته – مترجيا – حقيبة الكتب الخاوية إلا من قلم حبر جاف عاطل عن الكتابة و قلم رصاص غير مبر و خلصت رجلي برفق و عناية وأحكمت رباط الحذائين جيدا و ناولتهما للسائق ، تقافزت كالارانب او كما الضفدع لا اذكر و بعد لاي لم يستمر طويلا كنت داخل التاكسي اجلس علي مقعد يجاور نافذة ، إنطلق
التاكسي و بطرقعة من انامل صبي التاكسي طالبنا بالاجرة ، ناولته قطعة نقدية معدنية من فئة الجنيه فرد لي الباقي ورقة نقدية فئة المائة جنيه ، تناولت الاوراق النقدية ، اخرجت كيس السعوط ، كورت سفه وضعتها بين الاوراق النقدية بعد ان دعكتها فتكورت كرة من الورق و قذفت بها من خلال النافذة ، إنتبهت ، طلبت من السائق التوقف فتوقف التاكسي ، وثبت من النافذة ، بدأت اقفز كالضفدع تماما هذه المرة ، ناولني السائق اشيائي ، ارجعت له حقيبة الكتب الخاوية إلا من قلم حبر جاف عاطل عن الكتابة وقلم رصاص غير مبر ، ارجعت هذه الاشياء علي إعتبار انها لاتخصني ، اخذت فقط رجلي ، انها رجلاي ، رجلاي وحدي فلربما اصبح لاعب كرة قدم طائرة بعد ان استبعدت صباح هذا اليوم من معاينة لوظيفة عامل بمصنع( بسكويت الاطفال و العلف )، اعدت رجلاي الي موضعهما ونقبت بين الاوراق النقدية ، اخرجت السفه ، سفيتها و ركلت الاوراق النقدية ركلة محكمة ، بدأت اسير ماشيا هذه المرة و رغبة ملحة تنتأبني للقفز كما الارانب، لا كما الضفدع إذ لا رغبة لي في بيات شتوي علي الاطلاق
——————————————–

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى