أعمدة الرأي

همس الحروف : نكون أو لا نكون _ الباقر عبد القيوم علي

 

هل هنالك قاسم مشترك يمكن أن يوحد كلمتنا كشعب واحد في ظل هذه الدعاوي القوية من البعض للتشظي وفق الإثنية و الهوية القبيلية و نمطية الجوار القبلي التي يعتمد على التعايش وفق مصالح الجوار في الإقليم الواحد ، لقد تعالت في الآونة الآخيرة بعض أصوات النشاذ من أجل ترسيخ فهم جديد يوطن لتفتيت النسيج الإجتماعي المنتاغم الذي نعمنا فيه ردحاً من الزمان حيث كنا نجد أبناء الشمال من ضمن مكون النسيج السكاني الأساسي لشرق و غرب السودان و الوسط الغربي ، و كذلك ما زال أبناء الغرب و الشرق من ضمن المكونات الأساسية لنسيج الشمال السكاني .

 

فالسودان دولة موحدة منذ فجر التاريخ ، فلماذا الدعوة للفدرالية ؟ ، حيث ظن اليعض أن يكون هذا النظام هو الحل السحري لأزمات السودان التي بدأت خميرة عكننتها منذ فترة الديمقراطية التي أعقبت حكومة النميري ، وبدأت تتزايد وتيرتها في فترة الإنقاذ إلى أن وصلت إلى ما إنتهت به الإنقاذ ، حيث حدث ذلك من جراء العجز في مواعين إدارة التنوع بالإضافة لعدم وجود الفهم الذي يستطيع أن يوظف التعددية الإثنية والثقافية توظيفاً سليماً ، وكان من الأجدر بها إحتواء النزاعات التي نشأت في البدايات كإحتجاجات لها حقوق مطلبية صغيرة ، ثم تطورت بعد ذلك هذه الإحتجاجات إلى مجموعات شكلت القبيلة فيها أهم المظاهر التي كانت تقود المشهد ، حيث سلحت نفسها حينما فشلت أدوات إصلاح النظام السياسي في ذلك الوقت من تحقيق العدالة النسبية في الأطراف ، و دارفور تعتبر نموذجاً لتلك الإخفاقات حيث لم تستطع مركزية الحكم الشمولي من تلافي تلك الإخفاقات التي بالمقابل لها نشأت جيوب المعارضات المسلحة .

 

الآن ما زالت الفرصة سانحة لتضافر الجهود من أجل التصحيح إذا توفرت قيادة رشيدة جندت نفسها لقيادة دفة الحكم و إستطاعت أن تحقق العدل ، و لو تمثلت تلك القيادة في شخصية رجل واحد فقط كشخصية الدكتور حمدوك في بداياته التي بدأ بها حيث كان يتمتع وقتها بتفويض جماهيري عريض غير مسبوق ، فإذا أستطعنا أن نصنع هذه الشخصية فمن السهل يمكن أن نضمد الجراحات ، و نسعي سعياً جاداً في الإصلاحات و توسيع مواعين التغيير الفكري والثقافي والسياسي والاخلاقي ، وذلك بجعل كل أفراد هذا الشعب أن يكونوا شركاء في صناعة هذا الإنجاز الوطني الذي تتوافق فيه الرؤي بحيث لايتعارض ذلك مع المصالح الذاتية للأفراد .

 

يجب أن يتصالح الجميع مع أنفسهم في المقام الأول ثم بعد ذلك نشرع في مصالحة الآخرين من أجل تحقيق المصالحة العامة بين جميع مكونات هذا الشعب بدون فرز أو إقصاء لأحد علي أي خلفية كانت ، ولهذا لابد من أن نوجد أدوات و معينات نستطيع بها أن ندعم هذا الخط الذي يسير في إتجاه رتق الشقوق وجبر الكسور و معالجة الجراحات التي تسببت فيها كثير من الأحداث والقصص التي صاحبت الثورة و بعدها ، و كانت معلومة للجميع ، فمن الممكن أن نوجد بيننا قاسماً مشتركاً يوطن لبناء الثقة بيننا ، و عندها سنجتمع علي حب هذا الوطن و هذا هو أس قضيتنا ، و بعد ذلك من السهل أن نترفع عن الذات و الأسرة و الحزب و القبيلة و الإقليم ، و ضربة البداية يمكن أن يتخذها أي فرد و هو جالس في بيته حيث لا يكلف ذلك أي شيء خلاف العزيمة بنبذ الكراهية و خطابها الآسن الذي وقر صدور الكثيرين ، و ساهم في كسر الروابط المجتمعية التي كانت تزين نسيجنا الإجتماعي ، و لهذا من الواجب علينا أن نغير خطابنا ليصبح وطنياً خالصاً يلبي حاجة هذا الشعب الأسمر الجميل و عندها سنكون شعباً يعيش حياة رفاهية في وطن واحد إسمه السودان بإدارة موحدة قادرة أن تقسم الموارد بين جميع أقاليم السودان بعدالة مطلقة ، و بدون ذلك لن نكون ، وهذا لا يعني نهاية شعبنا ولكن ستنطبق علينا عبارة ثم لا يموت فيها ولا يحى .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى