أعمدة الرأي

يس عمر يكتب : المصالحة الوطنية 

 

عرفت دولة المغرب الشقيقة أولى التجارب في مجال التسويات السياسية حيث تأسست «هيئة الإنصاف والمصالحة» بداية من يناير 2003 وكان من أولى مهامها الأساسية إثبات الانتهاكات السابقة لحقوق الإنسان و«الوقوف على مسؤوليات أجهزة الدولة أو غيرها في الانتهاكات» ومن ثم «التعويض عن الأضرار المادية والمعنوية التي لحقت بالضحايا» ، وقد شكلت هذه السابقة الجديدة محاولة جدية لإنجاز مصالحة فعلية ومجاوزة كل أشكال الانتهاكات الماضية وسارت بكل نجاح بعكس السابقة التي حدثت في العراق فاكتنفتها الكثير من المخاطر لاسيما الحزبية فأفضت إلى جهاز يخلق عداوات بين الفئات الاجتماعية ويؤجج حالات الصراع الطائفي والسياسي أكثر مما يدفع نحو المصالحة والحوار المجتمعي المثمر .
بالعموم فقد أخذت بعض بلدان الله في فترات تحولها الديمقراطي جهدا كبيرا لتحقيق تسويات سياسية وطنية من أجل مجاوزة الماضي بمخلفاته الدامية وأيامه النحسات، فالمصالحة الوطنية الحقيقية هي إحدى لوازم أي تحول ديمقراطي معافى بعيدا عن منطق الانتقام .
كان الواجب على حكومة السودان الانتقالية وعلى رأسها الدكتور عبدالله حمدوك رئيس الوزراء الانتقالي أن يسعى لبناء هيئات ومؤسسات عدلية ودستورية من أجل إعادة الاعتبار لضحايا ثورة ديسمبر التي مهرت بالدماء البريئة لاسيما وأن هذه القضية أولى الأولويات بيد أنها مطلب ثوري باق و متجدد ومهمة من أبرز مهام الحكومات الانتقالية.
عندما يثور مجتمع ما على حكومةٍ ما فهنالك ثلاثة مهام للحكومة الانتقالية الجديدة لهذا المجتمع :
1.تحقيق الاستقرار الاقتصادي الذي لعب دورا مهما في اندلاع موجة الاحتجاجات
2. التعامل بفقه القانون والمواثيق الدولية لا بالقانون الثوري وقانون الشارع مع الحكومة التي ثار عليها الناس وهذا يتطلب تقديم المتهمين إلى العدالة والأصل في الناس البراءة لا الاتهام.
3. تحقيق السلام بإيقاف الحرب مع الذين يحاربهم النظام السابق وتهيئة المنطقة لانتخابات (مبكرة) ورد السلطان فيها إلى الشعب ليختار من يحكمه لا كيف يحكمه.

وما أحوجنا في السودان الجديد إلى المصالحات الوطنية الحقيقية وإلى ترك النزاعات والتشرزمات، وترك الجهوية ونبذ العنصرية وأتعجب كثيرا !
ما الذي يمنعا من إتخاذ خطوات جريئة رغم أن غالبية أعضاء مجلسي السيادة والوزراء وشركاء السلام ما يطرحون ذلك.

المصالحة الوطنية أو التسوية السياسية تعني المزيد من التماسك المجتمعي وتعني بناء دولة الحقوق والحُريات خارج الحسابات السياسية الضيقة التي قد تحول المضطَهَدين السابقين إلى جلادين لخصومهم يوما ما وسيظل رافضوها مستبعدين من التطور والبناء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى