أعمدة الرأي

همس الحروف : راحت السكرة و جاءت الحسرة _ الباقر عبد القيوم علي

 

المظاهرات هي تلك الحشود الشعبية المنظمة أو العفوية التي تخرج من أجل التعبير عن رأي يرفض أو يؤيد سياسات أو قرارات أو يطالب بحقوق معينة و محددة ، و تعتبر المظاهرات من اهم وسائل التعبير التي يتم عبرها الاحتجاجات الشعبية من أجل الضغط على الجهات المعنية للتراجع عن سياسات فرضتها أو قرارات أصدرتها أو المطالبة بشيء تعنتت في تنفيذه أو منعته ، و يعد حق التظاهر السلمي من الحقوق التي يكفلها الدستور لكونها رأي جمعي سلمي يعبر عن الإستنكار أو التأييد ، و هو حق منصوص عليه في المواثيق الدولية و هو حق أصيل من حقوق الانسان باعتباره أبرز وسيلة للتعبير عن الرأي إذا كان مطلبي أو سياسي .

لا شك أن التظاهرات التي صاحبت ثورة ديسمبر المجيدة تعتبر من الإضافات الحقيقية لمفهوم الثورات على المستويين الإقليمي و العالمي ، و التي جسدت أرقى مفهوم للسلمية قولاً و فعلاً ، و كما أضافت أدبيات جديدة ، و إعتبارات لها وزنها و مصطلحات تحمل قيم عظيمة ذات مدلول إيجابي في مفهوم الثورات ذات المنحى السلمى ، و ذات الهدف السامي بإعتبار أنها فعل محمود من أجل مقاومة نظام الحكم ، و الهدف من ذلك إنهاء الإستبداد بالإعتماد على المقاومة المدنية الشعبية السلمية و ذلك بعيداً عن العنف و التخريب .

و لكن مثل هذه التجمعات فهي ليست ذات قداسة كتلك التجمعات التعبدية كالحج ، العمرة ، صلاة العيدين و الجمعة ، حيث تحكم هذه التجمعات واجبات و تضبطها شروط و تقيدها أحكام ، و لكن على الرغم من ذلك قد تحدث بعض التفلتات مع قداسة هذه التجمعات ، و لهذا نجد في التظاهرات كثير من أصحاب الغرض و المرض مندسبن في وسطها و لهم أجنداتهم الخاصة التي يتم تمريرها عبر هذه التجمعات ، و لهذا نجد في وسط الثائرين كثير من الذين يقومون بتجاوزات غير محمودة الغرض على الرغم من ان الخط العام للثوار يحمل السلمية و يكون بعيداً كل البعد عن العنف أو التطرف ، الا ان هنالك قلةلقليلة من المندسين بين صفوف الثوار ، سرعان ما تقومون بجرف هذه المظاهرات في اعمال تخريب من حصب للشرطة بالحجارة و حرق لسياراتها كرد فعل لأستخدام القوات النظامية للقنابل المسيلة للدموع ، و قد يسبق ذلك قطع الطريق العام و اغلاقه بإستخدام اللوحات الإعلانية الضخمة التي يتم قطعها بغاز الستلين ثم يتم جرها عن طريق الحبال من أجل إسقاطها لقفل الشارع دون أدنى إعتبار لفداحة حجم الخسائر التي تنتج من مثل هذه الأعمال المتهورة التي لا تشبه أدبيات هذه الثورة العظيمة و كما لا تشبه أخلاقيات شبابها الشرفاء ، و هذا علاوة على ترديد البعض لألفاظ نابئه لا تشبه أبنائنا و تخالف السلوك و الذوق العام الذي إبتدأت به هذه الثورة في بداياتها ، حيث كان لها هدف نبيل مفصل في عبارة واحدة فقط و هي (تسقط بس) .

الشيء المؤسف جداً على خليفة هذه السلبيات التي حدثت و نتجت عنها خسائر فادحة ، مثل قطع اللوحات الإعلانية الضخمة العابرة للطريق و إسقاطها من أجل قفل الطريق ، أو حرق سيارات الشرطة ، و كان أبرز ما تصدر هذا المشهد هو جريمة حرق قسم شرطة الصافية ، حيث أنكر الثوار فعل هذا العمل التخريبي ، إلا أننا نجد أن هنالك حصيلة من الثوار محتجزين على ذمة بلاغات جنائية (إتلاف جنائي) ، و يفوق عدد المتهمين ال 30 شخصاً ، و يجري التحري معهم بواسطة مباحث ولاية الخرطوم وفق مواعين القانون ، و ما يؤسفنا أن من بين هؤلاء قد نجد بعض القُصّر ، و أن القانون سوف ينفذ في سيره و سيأخذ مجراه ، و سيجد هؤلاء الشباب أنفسهم في ورطة لوحدهم دون نصير يواجهون الإتهام الموجه ضدهم دون رحمة ، و سينالون العقوبة المنصوص عليها في المواد التي سيتم توجيه التهم عليهم بها حال ثبوت الجرم عليهم ، على الرغم من أن هذه الأمور التي تمت كانت عامة و لكن الآن يتحمل نتائج ذلك قلة قليلة منهم ، سواء كان ما مضى من أمر هو سار أو محبط.. نجاح أو فاشل ، فهو قد أنتهى ومضى و أصبح في طيات النسيان ، و لن يلتفت إلى هؤلاء المساكين أحد من الكبار الذين كانوا و ما زالوا يجلسون خلف الستار و يديرون المشهد من على البعد لأنهم يستفيدون من النتائج التي تأتي من وراء هذه الحراكات ، ليدفع الضريبة هؤلاء الشباب وحدهم ، حيث وجدوا أنفسهم مكبلين بسياج حراسات الشرطة ، و التي تختلف تماماً عن حراسات المعتقلات الأخرى التي تنتهي بالإفراج بعد مضي يوم أو يومين ، و لكن حراسات الشرطة يتبعها تدبيج تهم تؤيدها النيابة و تحكم فيها المحاكم حال التورط في جرم واضح ، و لهذا نرجو من شبابنا في خط الثورة الأول ألا ينجروا إلى السلوك التخربي و ألا يدعوا المخربين من أصحاب الغرض و المرض أن يندسوا في وسطهم ليمرروا أجنداتهم الخفية من خلال ثورتهم ، حتي لا يجروا عليهم وكسة بجرم كانت ترصده الكاميرات و توثقه الأحداث ، و حينها سيقع الندم و تروح السكرة و تأتي الفكرة تحمل معها الحسرة .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى