أعمدة الرأي

أمة في خطر… الدكتور محمد عبد الله كوكو

القارئ ستعرف من خلال قراءتك للمقال من قائلل هذا الكلام وما مناسبة ذلك…..وانا هنا اقول ان الامة السودانية في خطر بسبب انهيار نظامها التعليمي انهيارا كاملا…فلا نهضة لاي امة الا بتطوير نظامها التعليمي
معركة التعليم مسألة يتعين تسويتها دون أدنى تأجيل، أنها المواجهة المصيرية التى لا بديل عنها من أجل بناء وتأمين الغد، وبلا مواربة هى المنعطف الحرج والإجبارى الأخطر فى مسار النهضة، فكل تأخير فى اختراق أزمة تدهور التعليم سوف يكبد الأجيال المقبلة ضريبة فادحة، وبقاء الهوة التى لحقت بجوانب العملية التعليمية عبر عقود طويلة لن تقتصر نتائجها على الإضرار بالفرد فقط، لكن أثرها سوف يمتد إلى جوهر وجود الامة السودانية بالكامل. إننا نحتاج لقرار سياسي شجاع لاصلاح العملية التعليمية وتطوير مناهج التعليم وعدم التعلل بنقص الإمكانيات وضعف الموارد، وبلا مبالغة فإن الاختراق المباشر والسريع لملف التعليم صار ضروة يفرضها استشراف الغد القريب قبل البعيد، دون وجل من معوقات منتظرة وأثار جانبية متوقعة، ودون التفات لطابور من المتربصين.

تفصح مجريات التاريخ الحديث عن دور التعليم فى نهضة الدول، وازدهارها، وسوف أسرد ثلاث وقائع كاشفة، أحدثها زمانيا جرت فى جنوب شرق آسيا، حيث تبدت قفزات التعليم فى سنغافورة وماليزيا وكوريا الجنوبية، وعبر بوابته حققت هذه الدول طفرتها الاقتصادية الهائلة، لكن الأكثر إلفاتا ومدعاة للانتباه فى هذه المنطقة من العالم التجربة الفيتنامية، فهذه الدولة تفوقت فى التعليم على مستعمريها السابقين، الذين اعتبروها دولة متهالكة، وقتلوا منها أكثر من خمسة ملايين إنسان حتى انتهاء حروبها عام 1975، وكانت وقتها واحدة من أفقر دول العالم، لكنها واصلت العمل على التعليم بكل جدية ودأب، فتفوقت على الولايات المتحدة فى التعليم مثلما تغلبت عليها من قبل فى الحرب، حيث احتلت المركز (12) فى عام 2015 فى تصنيف منظمة التعاون والتنمية «OFCD» التى تجرى اختبار «PISA» وهو برنامج لتقييم الطلبة يعتبر المعيار الدولى الرئيسى لقياس جودة الأنظمة التعليمية فى البلدان المختلفة، شاركت فيتنام فى هذا الاختبار لأول مرة فى عام (2012) حيث احتلت المرتبة (17) فى الرياضيات، و(8) فى العلوم، و(19) فى القراءة متقدمة على الولايات المتحدة التى احتلت المراتب (36) و(28)، و(23) فى نفس المواد على التوالى، أما فى التصنيف العالمى الصادر عن المنظمة فى مايو (2015) على أساس العلوم والرياضيات، فاحتلت فيتنام المرتبة (12) بينما احتلت الولايات المتحدة المرتبة (28). وأشارت النتائج إلى أن ما يقرب من (17%) من الطلبة الأشد فقرا فى فيتنام البالغين من العمر (15) عاما هم فى مقدمة الـ(25%) الأعلى تقييما عالميا. هنا يتبادر للذهن التساؤل وماذا بعد؟ أو ما الذى أسفر عنه هذا الصعود اللافت فى مجال التعليم؟ الإجابة غاية فى السهولة:

لقد أصبحت فيتنام النمر الأكثر وثوبا الآن من بين النمور الآسيوية، وتحولت من أفقر دولة فى جنوب شرق آسيا إلى معجزة اقتصادية، وأصبح من المعروف أن واحدا من كل عشرة هواتف محمولة تنتج حول العالم يتم تصنيعه فى فيتنام، التى استطاعت تحقيق معدلات نمو واستثمار عالية بثبات على مدى السنوات الأخيرة، بعد ثورة التعليم التى أسست لقاعدة عريضة، عززت مجالات سوق العمل والتكنولوجيا والتصنيع والإدارة العصرية.

تأتى القصة الأقدم من التجربة الفيتنامية والدالة على أهمية التعليم من الولايات المتحدة الأمريكية الدولة الأقوى فى العالم، عندما استيقظ الأمريكيون على صدمة غزو السوفييت للفضاء عام 1957، وفى التو بدأت أجهزة الدولة الأمريكية فى البحث عن أسباب هذا التراجع أمام أقوى خصومها، وتوصلت اللجان المنوط بها اكتشاف أوجه القصور أن المشكلة ترتبط بخلل فى المنظومة التعليمية، وأن التغير الحقيقى لن يأتى إلا بتغيير حاسم فى المناهج التعليمية، وأصدر الكونجرس الأمريكى فى عام 1958 وفى أوج صراع الفضاء مع السوفييت واحدا من أهم قوانين الولايات المتحدة الأمريكية، وهو «قانون الأمن القومى للتعليم»، وبموجبه تم تخصيص ميزانية معيارية بلغت 250 مليون دولار، وهو مبلغ ضخم فى وقته لتطوير التعليم فى مجالات الرياضيات والفيزياء وعلوم التكنولوجيا والفضاء. الأهم أن الأمريكيين لم يتوانوا عن متابعة هذا الملف باعتباره قضية أمن قومى، وفى مطلع الثمانينيات من القرن الفائت فوجئ المسؤولون بتأخر الطلاب كثيرا فى الرياضيات والعلوم الطبيعية، وأنهم متراجعون أمام طلبة أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية فى المسابقات الدولية التى يشتركون بها، مما يعنى التأخر فى كثير من الأصعدة فى وظائفهم المستقبلية، لأن الرياضيات والفيزياء هما أساس أى تقدم تكنولوجى وتقنى، ومن ثم تراجعهم فى هذه المواد يعنى تراجع الولايات المتحدة عن التسيد الإمبراطورى.

لذلك صدر قرار من الرئيس الأمريكى «رونالد ريجان» فى عام 1982 بتشكيل لجنة تحت الإشراف المباشر من البيت الأبيض، من صفوة الخبراء التعليميين والتربويين فى الولايات المتحدة، تكونت من ثمانية عشر شخصا، مكثت فى عملها قرابة العام، خلصت بعده إلى أهم وثيقة بشأن التعليم فى التاريخ المعاصر تحت عنوان «A Nation At Risk» (أمة فى خطر)، أى أن أقوى دولة فى العالم كانت ترى أنها فى خطر، احتوت هذه الوثيقة على ثمانى وثلاثين توصية تفصيلية لإعادة هيكلة التعليم الأمريكى بالكامل، وأوصت صفوة الخبراء بأن يتم تطبيق نتائج تقريرهم فورا، لأن الخلل فى منظومة التعليم لا يحتمل التآخىر، وهو ما تم تنفيذه فعلا دون أدنى إرجاء، وهنا يجب الأخذ فى الاعتبار أن مشكلاتهم لم تكن بالغة الخطورة ولم يكن وضعهم التعليمى فى حالة كارثية كما هو الواقع السوداني الحالى، واعتبر خبراء أمة فى خطر أن ثلاث سنوات هى الحد الأقصى لمرحلة الإصلاح، وهذا يعنى التنفيذ فى مدى زمنى قصير خال من أى تباطؤ أو مماطلة بيروقراطية، وهكذا بعد الوقوف على ثغرات النظام الفيدرالى التعليمى فى الولايات المتحدة بدأت خطوات الحل، باتباع تغييرات جذرية فى المنظومة، وكان من أعظم القرارات ابتكار اختبار الكفاية الأمريكى للمعلمين، وتحسين أوضاعهم المادية ورفع كفاءتهم التعليمية.

ونظرا لخطورة القضية توالت باهتمام وجدية عملية متابعة ملف التعليم ففى، عام 1991 فى نهاية عهد الرئيس «جورج بوش الأب» أعدت وثيقة جديدة تحت عنوان (أمريكا عام 2000 – استراتيجية للتعليم) استهدفت متابعة آليات تواصل تحديث التعليم، الأمريكى وأخيرا قدم العلماء تقريرا بعنوان (الارتفاع فوق العاصفة المقبلة)، وهنا تجدر الإشارة إلى أن دول العالم المتقدمة كافة شرقا وغربا تولى اهتماما فائقا بقضايا ومشكلات التعليم، وتتابعها بدأب واهتمام بالغين اما نحن فالتعليم من اخر اهتماماتنا بل لا نهتم به اصلا فكيف ننهض؟ وكيف نتقدم؟ وكيف نلحق بركب الحضارة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى