أعمدة الرأي

همس الحروف : بروف يونس عبد الرحمن رقم وطني مميز فرض نفسه على التأريخ _ الباقر عبد القيوم علي

 

لكل إنسان في هذا الوجود بصمتة الخاصة التي يتفرد بها عن غيره في كل شيء ، فالإنسان يختلف عن نظرائه من الناس في كل التفاصيل و يشتركون فقط في الوظائف العضوية و العلامات الحيوية ، فمنذ خليقة سيدنا آدم عليه السلام و حتى تاريخنا هذا عاشت أمم كثيرة و هلكت ، إلا أن التأريخ قد حفظ سير عظمائها و نبلائها في صفحاته عبر الزمان الممتد .

و للتوثيق عن سير حياة الأعلام من الناس عبر مختلف العصور فقد أفرد العلماء مساحة ضخمة لعلم دقيق أسموه علم التراجم ، و هذا العلم إختص بالبحث و التوثيق للشخصيات التي وضعت بصماتها في الحياة و تركت أثاراً طيبة في مجتمعاتهم كالأنبياء و الملوك و قادة المجتمع و العلماء في كل ضروب الحياة ، و لقد إهتم هذا العلم بالتوثيق لحياتهم الشخصية ، و خصوصاً المواقف التي تحمل صيغاً من التحدي ، و التي كان لها أثراً طيباً في تغيير أو إضافة شيء في الحياة و يعتبر هذا العلم من أعظم فروع علم  التأريخ .

و لعل من الذين سيخلد التأريخ سيرتهم بأحرف من نور في ذاكرته ذلك الرجل ذو الطموح العالي الذي أتى من قرية صغيرة لم تنل حظها من الشهرة بريفي أبو زبد بكردفان تسمى (قليصة) ، ولكنه إستطاع إن يسنتطق ذاكرة الزمان بإسمها حتى سجلها له التأريخ في أضابير علم التراجم ، فهذه المنطقة الوديعة شهدت ميلاد هذا الرجل العظيم و جزءأً كبيراً من طفولته ، و صبوته ، و كما رعت شبابه بتأسيس خْلقه ، حيث زرعت فيه أجمل معاني الرجولة من الشهامة و الكرم و الإيثار ، فخرج من كردفان و هو عبارة عن مشروع رجل كامل و يحمل منها ما ينوء البعير من حمله من أعظم القيم النبيلة التي إستطاع أن يشكلها فيه مجتمع تلك القرية الجميلة ، فبعد أن أتم تعليمه قبل الجامعي بكردفان الخير التى يعرفها الناس (بالغرة أم خير جوة و برة) ، حضر إلى العاصمة الخرطوم بأساس متين من سماحة الروح و نبل الأخلاق و فطنة أهل البادية ، فإحتضنته جامعة الخرطوم في كلية طبها بحب شديد ، حتى تخرج بها و تخصص في طب الأطفال حيث برع في تخصصه فكان رقماً وطنياً مميزاً يصعب تجاوزه فى هذا التخصص الرحيم الذي يتعلق بمشاكل فلذات أكبادنا الصحية و كان له نصيب كبير إكتسبه من براءة الطفولة ، فهو عبارة طفل بحجم كبير و براءة أكبر منها حجماً تشكل شخصيته ، فقد قيل : ( لكل الناس نصيب من مهنهم) .

طموح البروفيسور يونس عبد الرحمن إسحاق لم يتوقف بملامسته لأعلى سقوفات علم الأطفال حيث نال الميدالية الذهبية في دبلوم طب الاطفال من ايرلندا ، و كما تقلد عدة مواقع في المؤسسات الصحية ، التعليمية و الطوعية ، فسعى بعرق جبين سخى مسخراً في ذلك كل خبراته العلمية والعملية لأجل تأسيس صرح تعليمي ضخم ، و لأنه كان رجلاً متفرداً في كل تفاصيل حياته كان لابد له أن يكون إنجازه يحمل ذات التفرد ، و لهذا كانت كلية النهضة تضاهي الجامعات الطبية إقليمياً و عالمياً ، فكان كل همه أن يطور جودة التعليم العالي في السودان بتجرد منقطع النظير ، و كل ذلك الإنجار العظيم كان بإمكانيات محدودة جداً ولكنها كانت ممزوجة بعزيمة الرجال التي لا تعرف الهزيمة و الإنكسار ، فوضع بصمة تميز واضحة في سجل صناع المجد في السودان بهذه الكلية التى أوجدها من المعدوم حتى أخذت مكانتها بين الكليات الوطنية و أستطاع أن يربطها بمؤسسات التعليم العالي داخل و خارج السودان بتبادل الخبرات وطرح الرؤية العلمية من خلال الجودة الشاملة المتبعة في كلية النهضة .

و لقد كان في مقدمة أهل الرأي في بلادي ، و كما كان يملك حساً وطنياً أكثر من الآخرين لانه كان أكثرهم حرصاً على إستقراره ، و المساواة بين شعبه و لقد كان صادقاً في ذلك و لا يعرف الكذب أو التدليس ، و إضافة إلى ذلك كان صاحب قلب تملأ الرحمة جوانبه ، فهو سعاءُ إلى عمل الخير من واقع كانت تشكله قناعاته و البراءة الطفولية التي كان يتمتع بها ، مع خلفيته القروية التى خرج بها من مرتع صبوته ، حتى تميز عن غيره في هذا الشأن فكان ينفق بيمينة و هو أكثر الناس حرصاً حتى لا تعلم يساره .

في ليلة ال 23 من رمضان من العام المنصرم وكان يوافق ذلك يوم 5 من مايو 2021 ، في ليلة مختلفة ، و ليست كباقي ليالي رمضان التى سبقتها حيث تميزت بأمطار هادئة أعطت دلالات خير و بشرى ، فتهيأ أهل التقوى فيها لإستقبال ليلة خاصة و قد حسبها البعض بأنها ليلة القدر ، فإجتهدوا بالدعاء فيها ، و حيث كانت ملائكة الرحمة تزل حاملة معها زخات المطر و هي حديثة عهد بالرحمن ، فتشهد بعض من إخلاص الدعاء قبل عروجها إلى السماء ، إلا إنها صاحبت روح الأخ العزير يونس عبد الرحمن إسحاق ، حيث إرتقت معها إلى دار الطمأنينة التي ليس فيها خوف أو حزن ، و لكن رحيله قد شكل يتماً و فراغاً عظيماً يصعب سده في هذه الفانية ، ليس في بيته فحسب بل في كثير من البيوت السودانية التي كان يفرد فوقها جناح كرمه الفياض و رحمته المقتسبة من رحمة الله ، حيث كانت له قولة مشهورة في هذ الشأن يجاري بها أبيات ذلك الأعرابي الذي أعجب الملك بحسن جوابه حينما قام بتوزيع عطيته على أهل المجلس ، فأجزل له في العطاء بعد أن إستنكر عليه فعل ذلك حينما قال له :

يجود علينا الخيرون بمالهم
ونحن بمال الخيرين نجود

و كان يقول يونس :

يجود على الكريم بماله
و نحن بمال الكريم نجود

و هذا غيض من فيض من عاطر سيرة هذا الرجل المتفرد و الذي خلف ورائه صرخة حزن و آهات من الألم الدفين في بيوت كثيرة من شدة اليتم الذي مسها .. نسأل الله له الرحمة و المغفرة و ان ينزله في منازل الأنبياء بفراديس الجنان بصحبة خير إنسان كان رحمة للعالمين ، و علمنا الرحمة و حب المساكين (سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم) و ان يكون في معية الشهداء و الصالحين ، و أن ينزل غيثاً من الرحمة في صدور إبنائه و جميع أهله وكل من يعرف فضله و نحن معهم ليكون لنا وجاءة من الحزن و الغم و إن يلهمنا صبراً جميلاً و سلواناً .. و إنا لله وإنا إليه راجعون و لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى